أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
691
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقرأ الجعفيّ وطلحة بن مصرف وخلاد : « يغفر » بإسقاط الفاء ، وهي كذلك في مصحف عبد اللّه ، وهي بدل من الجواب كقوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ « 1 » . وقال أبو الفتح : « وهي على البدل من « يحاسبكم » فهي تفسير للمحاسبة » . قال الشيخ « 2 » : « وليس بتفسير ، بل هما مترتّبان على المحاسبة » . وقال الزمخشري : « ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب لأنّ التفصيل أوضح من المفصّل ، فهو جار مجرى بدل البعض من الكل أو بدل الاشتمال ، كقولك : « ضربت زيدا رأسه » و « أحببت زيدا عقله » ، وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان » . قال الشيخ « 3 » : « وفيه بعض مناقشة : أمّا الأول فقوله : « ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب » وليس العذاب والغفران تفصيلا لجملة الحساب ، لأنّ الحساب إنما هو تعداد حسناته وسيئاته وحصرها ، بحيث لا يشذّ شيء منها ، والغفران والعذاب مترتّبان على المحاسبة ، فليست المحاسبة مفصّلة بالغفران والعذاب . وأمّا ثانيا فلقوله بعد أن ذكر بدل البعض من الكل وبدل الاشتمال : « وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان » أمّا بدل الاشتمال فهو يمكن ، وقد جاء لأنّ الفعل يدلّ على الجنس وتحته أنواع يشتمل عليها ، ولذلك إذا وقع عليه النفي انتفت جميع أنواعه ، وأمّا بدل البعض من الكلّ فلا يمكن في الفعل إذ الفعل لا يقبل التجزّؤ ، فلا يقال في الفعل له كل وبعض إلا بمجاز بعيد ، فليس كالاسم في ذلك ، ولذلك يستحيل وجود بدل البعض من الكل في حق اللّه تعالى ، إذ الباري تعالى لا يتقسم ولا يتبعض . قلت : ولا أدري ما المانع من كون المغفرة والعذاب تفسيرا أو تفصيلا للحساب ، والحساب نتيجته ذلك ، وعبارة الزمخشري هي بمعنى عبارة ابن جني . وأمّا قوله : « إنّ بدل البعض من الكل في الفعل متعذر ، إذ لا يتحقق فيه تجزّؤ » فليس بظاهر ، لأنّ الكلية والبعضية صادقتان على الجنس ونوعه ، فإنّ الجنس كلّ والنوع بعض . وأمّا قياسه على الباري تعالى فلا أدري ما الجامع بينهما ؟ وكان في كلام الزمخشري ما هو أولى بالاعتراض عليه . فإنه قال : « وقرأ الأعمش : « يغفر » بغير فاء مجزوما على البدل من « يحاسبكم » كقوله : 1149 - متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا * تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا « 4 » وهذا فيه نظر ؛ لأنه لا يطابق ما ذكره بعد ذلك كما تقدّم حكايته عنه ؛ لأن البيت قد أبدل فيه من فعل الشرط لا من جوابه ، والآية قد أبدل فيها من نفس الجواب ، ولكنّ الجامع بينهما كون الثاني بدلا ممّا قبله وبيانا له . وقرأ أبو عمرو بإدغام الراء في اللام والباقون بإظهارها . وأظهر الباء قبل الميم هنا ابن كثير بخلاف عنه ، وورش عن نافع ، والباقون بالإدغام . وقد طعن قوم على قراءة أبي عمرو لأنّ إدغام الراء في اللام عندهم ضعيف . قال الزمخشري : « فإن قلت : كيف يقرأ الجازم » ؟ قلت : يظهر الراء ويدغم الباء ، ومدغم الراء في اللام لاحن مخطئ خطأ فاحشا ، وراويه عن أبي عمرو مخطئ مرتين ، لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن
--> ( 1 ) سورة الفرقان ، الآيتان ( 68 - 69 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 361 ) . ( 3 ) انظر المصدر السابق . ( 4 ) تقدم .